Linz-arab.com

الصفحه الرئسيه اضغط هنا

 ثلاث حكايات عن هاسبل وايفاناكا والمشير طنطاوي

عماد الدين حسين

قبل أسابيع قليلة تلقيت من كاتب صحفي مصري كبير رسالة عبر «واتساب» يتضمن صورة لجينا هاسبل المرشحة لقيادة المخابرات المركزية الأمريكية، عقب تعيين مارك بومبيو وزيرا للخارجية الأمريكية بديلاً لريكس تيلرسون الذي أقاله الرئيس دونالد ترامب.

تعليق الصورة يزعم أنها لهاسبل وهي تجر أحد المعتقلين العراقيين خلال حفلات التعذيب المستمرة في سجن أبو غريب بعد أسابيع من الغزو الأمريكي للعراق في مارس/ آذار 2003.

لم أكن أعرف قبل ذلك ملامح وجه جينا هاسبل، لكن أتذكر تماماً ملامح مجندة في الجيش الأمريكي كانت ذات شعر قصير، وهي تتفنن في تعذيب المعتقلين العراقيين وهم عراة، وقد تمت محاكمتها على هذا السلوك في بلدها أمريكا، خصوصاً أن هذه الصور التي انفردت بها مجلة نيويوركر وقتها، وجهت ضربة قاسية للادعاءات الأمريكية بشأن حقوق الإنسان .

وما حدث أنه بعد لحظات قليلة من هذه الرسالة، تبين لنا أن الصورة المنسوبة لهاسبل ملفقة.

طبعاً تلفيق الصورة لا يتعارض مع الاتهامات أو الانتقادات الموجهة لهاسبل بأنها أدارت سجوناً سرية لتعذيب معتقلين خارج الولايات المتحدة مثل تايلاند أو اتباع أساليب غير قانونية بحق معتقلين.

ليس موضوع مقالي هو تاريخ هاسبل، لكن محاولة تسليط الضوء على ظاهرة خطيرة يقع الكثير منا فيها، وهي كتابة أو تداول أو  إرسال رسائل إلكترونية، تتضمن معلومات خطيرة دون أن نتأكد من صحتها.

هذا الأمر صار يتكرر، مع زيادة اعتمادنا على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتقاد بعضنا أن كل ما ينشر أو يتم تداوله فيها هو معلومات صحيحة، رغم أن هناك تقديرات بأن معظمه «معلومات مضروبة وملفقة»!

رسالة هاسبل وصورتها الملفقة لم تكن الأولى، فقبل ذلك بأسابيع قليلة أرسل لي مسؤول كبير في إحدى الفضائيات العربية التي تعمل من القاهرة، برسالة، تتضمن فيديو لايفاناكا، ابنة الرئيس الأمريكي وهي تسخر من والدها بصورة غريبة، وتلصق به أبشع الاتهامات، وتختم كلامها بالقول إنها اكتشفت أن والدها يعتبر ملاكاً مقارنة بحكام دولة خليجية زارتها مؤخراً!!!

الفيديو كان صادماً وبعد أقل من ساعة من بثه وتداوله، تبين أنه مركب ومزيف، وأنه من تأليف كتائب إلكترونية في المنطقة تحاول الإساءة إلى دولة خليجية أخرى في إطار الصراع بينهما منذ بداية شهر يونيو/ حزيران الماضي.

مرة أخرى، ليس موضوع هذا الفيديو هو هدفي، لكن الذي لفت نظري أكثر، هو كيف يمكن لرئيس تحرير وصحفي كبير، أن يرسل مثل هذا الفيديو جازماً ومتيقناً بأنه صحيح، من دون محاولة التحقق من صحته، وكيف يمكن ائتمان مثل هذا الشخص على التدقيق في صحة الأخبار غير الصحيحة، التي تأتيه من مصادر مختلفة، خصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي؟!!

الحكاية الثالثة، حدثت أمامي قبل أيام في الشارع الذي أعيش بالقرب منه وسط القاهرة. كنت اشتري بعض مستلزمات البيت من فاكهة وخضراوات، وكان هناك اثنان من المواطنين يتجادلان حول أمور السياسة، ولفت نظري قول أحدهما: "لقد قرأت ذلك في مذكرات طنطاوي! وهو يقصد طبعاً المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى السابق للقوات المسلحة".

ليس من عادتي التدخل فيما لا يعنيني، لكنني وجدت نفسي مندفعاً، وسألته: "وأين هي هذه المذكرات.. ومتى صدرت، ومن أي دار نشر؟!".

ظللت أجادل الرجل، حتى قال لي إنه قرأ ذلك على أحد المواقع الإلكترونية، التي نطلق عليها في مصر «مواقع بير السلم»، دلالة على انعدام مصداقيتها.

 بالطبع المشير طنطاوي لم يصدر مذكرات منذ خروجه من منصبه كوزير للدفاع في أغسطس/ آب 2012، ولم يدل حتى بأي أحاديث صحفية. فقط كان شاهداً في محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتسربت بعض أقواله من هذه الشهادة السرية.

المشكلة أن هذا المواطن كان يتحدث بثقة مطلقة، بأن هناك مذكرات للمشير طنطاوي.

 للموضوعية، لم أستطع لوم هذا المواطن، وهو يتحدث عن هذه المذكرات، فإن كان كاتبا مرموقا يعتقد أن هاسبل هي التي قامت بالتعذيب، ورئيس تحرير يعتقد أن ابنة ترامب تسب والدها بهذه الطريقة، فكيف نلوم مواطناً بسيطاً على اعتقاده بوجود مذكرات لوزير الدفاع الأسبق؟!

هذه القصص الثلاثة عن جينا هاسبل وابنة ترامب ومذكرات المشير طنطاوي توضح خطورة دور وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه الوسائل لعبت دوراً محورياً ومهماً في سرعة تدفق المعلومات والحقائق والمعارف الصحيحة بحرية واضحة، بل وأدت إلى تقليل وتراجع دور الاستبداد، بل وفضحه. لكنها أدت أيضاً إلى زيادة سرعة تداول ونشر الشائعات والأكاذيب، ما يجعل البعض يصف الشبكة العنكبوتية بأنها "مملكة الكذب الكبرى"!.

جريمة نشر وترويج الأكاذيب على الإنترنت لا يرتكبها فقط بعض المواطنين بحس أو سوء نية، لكن تشارك فيها بفعالية كتائب إلكترونية محترفة تقف خلفها قوى وجماعات ومنظمات ومؤسسات سياسية وأجهزة مخابرات دولية ودول كبرى، والهدف السيطرة على الرأي العام المحلي أو الإقليمي أو العالمي وتوجيهه بكل الطرق الممكنة.

والضحية الأساسية هو هذا الرأي العام الذي يجد نفسه مرتبكاً ومشوشاً بشأن العديد من القضايا.

طبعا لا أقصد إطلاقاً، القول إن المشكلة خاصة بمصر فقط، هي موجودة في كل مكان بالعالم تقريباً، والشكوى منها صارت عامة.

هل هناك حل سحري لهذه المعضلة؟!

الأمر صعب لكن زيادة الشفافية وكذلك مساحة الحرية وتداول المعلومات وتطبيق القانون بصرامة علي الجميع، يقضي إلى حد كبير على انتشار الشائعات والأكاذيب، لكن الأخيرة سوف تظل -للأسف- موجودة طالما استمرت الحياة.