Linz-arab.com

الصفحه الرئسيه اضغط هنا

قصة الحب التي حوَّلته من الشهرة للعيش في أحضان مكتبته.. حسن كامي يفتح قلبه ويؤكد: التمثيل أصبح مخدرات وراقصات

خلف مكتب صغير، تزدحم عليه أوراق صفراء في كل اتجاه، وتحيطه رفوف كثيرة مليئة بالكتب ذات الغلاف السميك، وبعض الصور واللوحات، ذات اللونين الأبيض والأسود، يجلس الفنان المصري ومغني الأوبرا العالمي حسن كامي.

في صومعته هذه، اختار البقاء في عزلة اختيارية منذ 6 سنوات، بعد أن فقد شريكة عمره، وتوقَّف عن التمثيل لعدم وجود أعمال جيدة تُعرض عليه، كما قال في حواره لـ"عربي بوست".

فخلال سَيْرك بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، قد لا تلتفت أنظارك لإحدى اللافتات التي تعلو واحدة من عمارات وسط العاصمة العريقة، بعد أن غيَّرت عوادم السيارات ألوانها، وأطفأت بريقها، ولكن إذا أمعنت النظر فستجد لافتة بها "مكتبة المستشرق"، اعلم في هذا الحين أنه بإمكانك مقابله الفنان حسن كامي، والحديث معه، والتقاط الصور التذكارية.

سوف يرحب بك بوجه بشوش، وسيسعد كثيراً بتلك الزيارة، أما إذا كنت تطمح لحديث مطوّل معه، فاعلم أن كلمة السر لكي يفتح لك قلبه وخزانة أسراره هي نجوى، زوجته الراحلة، التي يكفي أن تذكر اسمها لينطلق معك في حوار طويل مليء بالمشاعر والأحاسيس.

المكتبة هدية لنجوي

منذ ما يزيد عن 30 عاماً، وبعد غنائه الأوبرالي في أميركا لمدة 4 سنوات، قرر كامي شراء هذه المكتبة، وتقديمها هدية لنجوى. يقول "لم أكن أمتلك إلا ثلثي ثمنها، وظللت عامين آخرين بعد توقيعي العقد وأنا أسدد الباقي".

كان كامي قبل هذا كثير التردد على هذه المكتبة لشراء الكتب الأصلية لكبار كتاب العالم: "هرولت لنجوى لأزفّ لها الخبر، قابلتني فى البداية بضحكة لأنها كانت تشغل في ذلك الوقت نائب رئيس مجلس إدارة كبرى شركات الاستيراد والتصدير، وكان مقرها جنيف، ولكنى أكدت لها أنها ستحبها، فهي تعشق القراءة مثلي، وهذه المكتبة روّادها من الصفوة".

وبالفعل وقعت نجوي فى عشق المكتبة، وظلت هي مملكتها لما يزيد عن 25 عاماً، قضت فيها أغلب الأوقات.

حب من أول نظرة

حينما تجلس أمام حسن كامي في مكتبته، ستجد في مقابلتك صورة بالأبيض والأسود داخل برواز بحجم متوسط، لفتاة بملامح شرقية في مقتبل العمر، التُقطت خلف ذات المكتب. وستلاحظ أيضاً خلفه، أعلى المكتب، صورة أكبر لنفس السيدة، تلك هي نجوى التي تملأ صورها سطح المكتب الزجاجي.

"حب من أول نظرة"، لمعت عينا كامي وهو يتذكر أول لقاء بينهما، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يقول "كنت في نادي الجزيرة، لمحت فتاة من الخلف تقف مع مجموعة من صديقاتها. لفتت انتباهي وقرَّرت رؤية وجهها. وحينما رأيتها دعوت الله في سري أن أتزوجها، وقلت: يارب أنا مستعد لأن أتزوجها صباح الغد".

وفي اليوم التالي، هاتفته صديقة له، وكان وقتها رئيس مكتب الخطوط الجوية التونسية بالقاهرة، كانت تعلم أنه يبحث عن سكرتيرة. أخبرته أن لديها صديقة انتهت من دراستها الجامعية، وترفض أن تعمل معيدة بالجامعة، وأنها ستأتي بها من أجل مقابلة عمل، و"فجأة وجدتها تدخل ومعها نجوى، وقتها أدركت أن الله استجاب دعائي".

وبعد عودتها للمنزل اتَّصل بها، وأخبرها أنه معجب بها، ويريد أن يتعرف عليها، لتبدأ قصة الحب.

الزواج الصعب

نجوى كانت مسيحية الديانة، وهو ما كان يمثل عائقاً كبيراً أمام عائلتها التي حاولت ثنيها عن فكرة الزواج من مسلم، كانت دائماً تقول لحب حياتها "أريد أن أشيخ معك، وبعد صولات وجولات وقفت فيها بجانب كامي، استطاعا الزواج في 16 ديسمبر/كانون الأول 1971. يقول: "هنا بدأ أن يكون هناك معنى لحياتي. وظللت لمدة 40 عاماً هي عمر زواجنا وأنا أحاول إرضاءها، حتى توفاها الله".

هنا اغرورقت عيناه بالدموع، وهو يتذكر حينما كانت تُشاغله السيدات، فعلمت نجوى وبكت، وارتسم على وجهه الندم، وهو يقول "قبَّلت قدميها، وطلبت منها أن تسامحني، وسامحتني لتبدأ مرحلة جديدة في علاقتنا معاً".

مشهد الرحيل

يعود حسن كامي بالذاكرة لعدة سنوات، يتذكر حينما اتصلت به نجوى لتخبره أنها مريضة، فعاد من التصوير مهرولاً ونقلها إلى المستشفى. اتضحت إصابتها بحمى شوكية، وظلَّت في العناية المركزة 4 أيام. وقتها انتقل كامي للمستشفى وأخذ غرفة مجاورة لها.

توقف كامي للحظات عن سرد القصة، حاول تمالك نفسه وهو يحكي عن آخر ليلة في حياة شريكة عمره، قال: "كانت بالعناية المركزة والزيارة ممنوعة، ولكن بعد منتصف الليل دخلت إليها دون أن يراني أحد، أمسكت بيدها وهي تنام كالملائكة، ظللت طوال الليل أغنِّي لها تارة، وأحكي لها عمَّا سنفعل بعد خروجها، ووعدتها بزيارة لباريس التي تحبها".

ولكن فجأة صرخت كل أجهزة الغرفة، ودخل الممرضون والأطباء ليفاجأوا بوجوده بجوارها، ووسط اندهاشهم لكيفية دخوله، لم يقسوا عليه، وأخبروه أنها فارقت الحياة، لتسبقه إلى جوار نجلهما الوحيد شريف، الذي توفي قبلها بسنوات.

اختلاف الدين لا يرث

رغم ما يعانيه من حنين ووحده برحيلها، إلا أنه يحمد الله أنه لم يتوف قبلها، ولم تذق هي مرارة الفراق، وقال "كل ثروتي كتبتها باسمها، كنت أعمل وأعطيها الأموال، حتى إنها حينما توفَّت كان المنزل والسيارة والمكتبة والأموال بالبنك وكل شيء باسمها، وبعد إعلان الوراثة انتقل كل شيء لوالدتها وأخيها، لأن القانون المصري ينص على ألا يرث مع اختلاف الدين "ولكن والدتها وأخاها أعادا لي كلَّ شيء، حتى إن أخاها قال لي: إنها كانت تعبدك.. الله يرحمها".

وتبدَّل الحزن بعلامات غضب وهو يقول "حاولوا إقناعي بالزواج مرة أخرى، فصرخت فيهم أنه لا يوجد مثيل لنجوى أو حتى بديل لها، فأنا ما زلت أنتظر عودتها يوماً ما".

كامي أبقى كلَّ شيء في المنزل والمكتبة كما كان قبل رحيلها، هو يظل يتخيل أنها ستفتح باب الحجرة يوماً وتخبره بعودتها من السفر، "أنا أحدثها كثيراً وأخبرها عن أحوالي سواء على فيسبوك أو مع نفسي، فهي تسكن بداخلي وأنا أسكن بداخلها، وأنتظر لحظة اللقاء، وهو ما أحدّثها به في كل زيارة أسبوعية أذهب إليها فيها لزيارة قبرها، فيوم الإجازة أقضيه معها ومع شريف، رحمهما الله".

غناء الأوبرا

كانت تعشق صوتي، وتحضر كل بروفات الحفلات، وزرنا معاً كل بلاد العالم لكي أغني.

ولاحترافه غناء الأوبرا قصة يفتخر بها. في عام 1953، تعرَّضت عائلته لأزمة اقتصادية أضاعت كل ثروتهم، ووقتها كان في الجامعة، وبدأ كثيرون يلفتون نظره لجمال صوته، فاحتاج أن يثقل موهبته بالدراسة.

ولأنه لم يكن يمتلك الأموال للحصول على دروس في الغناء، عمل "شيالاً" بشركة سياحة مجاورة لمكتبته الحالية، وكان يتقاضى 10 قروش في الساعة (الجنيه المصري 100 قرش)، وكان يعمل حتى يوفر 4 جنيهات شهرياً ثمن حصص الغناء.

وبعد حوالي 4 سنوات من التدريب اصطحبته مدربته للأوبرا، وأجرى اختبار الغناء ونجح، وفي أولى بطولاته حضرت الحفل السيدة أم كلثوم وأطرت عليه بكثير من المديح.

بعدها بدأ الغناء في كل أنحاء العالم، وفي إحدى أهم حفلاته عام 2001، ومع علو التصفيق من الجمهور قرَّر أن يكون ذلك آخر ذكرى له على مسرح الأوبرا، يقول "هو أصعب قرار أن تعتزل وأنت في قمة مجدك، حتى إن نجوى عارضتني، ولكني كنت أخشى أن أنساق وراء الاستمرار حتى أجبر فى يوم من الأيام على الاعتزال".

لم أعتزل التمثيل

"أنا لم أغلق على نفسي أو أعتزل، ولكنني اخترت الأكثر راحة بالنسبة لي"، هذا ما أكد عليه حسن كامي، موضحاً أن سوء الأعمال التي تعرض عليه هو ما جعله بعيداً عن الشاشة.

وقال "أنا لا أشاهد عملاً الآن كنت أتمنى أن أؤديه، معبراً عن سعادته ورضاه عن تاريخه الفني من 12 فيلماً و124 مسلسلاً و6 مسرحيات".

واعتبر أن أكبر أزمة تواجه السينما والدراما بجانب الإمكانات والإنتاج هي الكتابة، فيقول "التمثيل أصبح كله مخدرات وراقصات، حتى الموسيقى أصبحت كئيبة". وأكد أنه في حالة وجود أي عمل فني جيد متكامل من حيث النص وفريق العمل سيشارك به فوراً، لأنه يفضل الأشخاص الذين يحترمون المواعيد، وألا ينتظر شاباً عمره 25 سنة لمدة 6 ساعات في التصوير.

وعن علاقاته بالوسط الفني، قال جميعهم أحبهم ويحبونني وعلاقتنا طيبة، ولكن لا تصل إلى مستوى تبادل الزيارات العائلية، مؤكداً أنه يقصر حياته على المنزل والمكتبة.

عدم التكريم

ورغم عدم تكريمه طوال مسيرته الفنية، إلا من مهرجان يوسف شاهين عام 2015، فإن هذا لا يغضبه، فهو يرى أن أكبر تكريم له هو حب الناس، وأن الناس ما زالت تذكره رغم ابتعاده لسنوات عن الساحة الفنية، وهو ما يلمسه عند زيارة بعض الشباب له فى المكتبة لالتقاط الصور معه، أو في بعض البوستات التي تنتشر عنه على فيسبوك.