Linz-arab.com

الصفحه الرئسيه اضغط هنا

روسيا تستولي على مكانة أميركا في الشرق الأوسط.. فهل تصبح الهدف القادم للإرهابيين؟

للانتصارات العسكرية كُلفة ينبغي أن تُدفع، فمنذ تدخلها في الحرب السورية في عام 2015، تمكنت روسيا من إلغاء مكانة أميركا بوصفها القوة العظمى الوحيدة بالشرق الأوسط،

وصارت روسيا، نتيجةً لهذا الصعود، هي الدولة صاحبة النفوذ الذي لا يُمكن الاستغناء عنه في المنطقة. وفي أوروبا أيضاً، دعَّمت موجة الهجرة التي سبَّبتها الحرب السورية سيطرة موسكو، إذ ساهمت في صعود الأحزاب الشعبوية التي ترتبط بعلاقاتٍ ودية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ولكن اغتيال السفير الروسي في تركيا يوم الإثنين، 19 ديسمبر/كانون الأول 2016، يسلط الضوء على الجانب الآخر من هذا الصعود الروسي المذهل في المنطقة. فبانحسار نفوذ أميركا في الشرق الأوسط، احتلت روسيا المكان الذي شغلته الولايات المتحدة الأميركية في عقول الكثير من مواطني الشرق الأوسط: قوة استعمارية دخيلة تشن حرباً على المسلمين والإسلام.

لم تكن هناك مؤخراً أية تظاهرات ضد أميركا في الشرق الأوسط. ولكن وسط هذا الجحيم بحلب، تجمَّع عشرات الآلاف من المواطنين هذا الشهر خارج السفارات الروسية في مدنٍ عديدة، كإسطنبول، وبيروت، والكويت، حيث كانت الهتافات التي يقودها مشرعو كل دولة واضحةً: "روسيا هي عدو الإسلام"، حسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

يتضح هذا الأمر أيضاً مما قاله الشرطي التركي الذي قتل السفير الروسي في تركيا، أندرو كارلوف، عندما صاح قائلاً، إنَّه يفعل ذلك انتقاماً لمعاناة حلب، التي تمكن النظام السوري والميليشيات الشيعية الموالية له في الأسابيع الأخيرة من السيطرة على الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة بها، بعد عامٍ شهد قصفاً روسياً مستمراً على المدينة.

وفي حين أدانت حكومات الشرق الأوسط اغتيال سفير روسيا (الدولة التي كانت حليفاً للعرب في حروبهم ضد إسرائيل)، إلا أن عملية الاغتيال استقبلها المواطنون العرب بفرحةٍ شديدة على الشبكات الاجتماعية، وكذلك في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حسب تقرير وول ستريت الأميركية.

وقال حسان حسان، الزميل بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، إنَّ "روسيا بالتأكيد يُنظَر لها حالياً كـ"فُتُوَّة" المنطقة الجديد. الطريقة التي يرى بها مواطنو الشرق الأوسط مشاركة روسيا في تدمير حلب، إحدى أكثر المدن السُّنِّية بالمنطقة تبجيلاً واحتراماً، تذكرنا بالطريقة التي كان يرى بها المواطنون الولايات المتحدة الأميركية بعد غزو العراق. تحتاج فقط لتتبُّع الطريقة التي مُجِّدَ بها قاتل السفير الروسي في المنطقة لتفهم مدى احتقار مواطني الشرق الأوسط لموسكو اليوم"، حسب تعبيره.

الغرب سيدفع الثمن أيضاً

ورغم أن روسيا هي المَنْفَذ الأول الذي وُجِّهَ نحوه هذا الغضب، فإن سقوط حلب قدم دعماً شديداً في المنطقة للحركات الجهادية التي تخطط لشن هجماتٍ إرهابية في الغرب أيضاً، كتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وتنظيم القاعدة.

وعلَّق المشرع اللبناني باسم الشاب على الأمر قائلاً: "هناك شعورٌ ما بأن حلب تمثل مرحلةً جديدة. فمستوى الغضب مرتفع جداً، ولا شك أن ما حدث سيغذي الكثير من التطرف في أوروبا وأماكن أخرى حول العالم".

وتُعَد العملية الإرهابية التي قُتِلَ فيها 12 شخصاً في أحد أسواق الكريسماس في برلين يوم الإثنين واحدة من تلك الهجمات المتطرفة، وأعلن تنظيم داعش يوم الثلاثاء، 20 ديسمبر/كانون الأول 2016 مسؤوليته عنها.

ومع أن منفذ العملية ما زال مجهولاً، إلا أن هذه العمليات الإرهابية في أوروبا ترتبط في أذهان العامة بالتدفق الهائل للاجئين، الذي بدأ بعد أن قررت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، واحدة من أشد منتقدي بوتين في الغرب، عام 2015، منحَ حق اللجوء للسوريين الفارين من الحرب.

وألقى عددٌ من السياسيين المناهضين للهجرة في جميع أنحاء أوروبا بمسؤولية هذا الهجوم في برلين على أنغيلا ميركل، التي تنافس في الانتخابات العام المقبل على منصبها.

الطائرة المصرية

اتَّضح كيف أن روسيا قد أصبحت هدفاً للحركات الجهادية العالمية بطرقٍ غير مسبوقة في أكتوبر/تشرين الأول 2015، بعد شهرٍ واحد من نشرها لقواتها وطائراتها الحربية في سوريا. إذ تم إسقاط طائرة ركاب روسية فوق شبه جزيرة سيناء المصرية، وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الأمر.

 

ولكن هذه الأيام، زاد التدخل الروسي في سوريا بالقوات والدعم المادي. وأصبح الغضب تجاه روسيا علنياً بشكلٍ كبيرٍ أيضاً، ولا يقتصر الأمر فقط على الجهاديين.

التفاهم التركي الروسي

هذا، من ناحية، يمثل مشكلةً لسعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للتوصل إلى تفاهمٍ مع بوتين وإيران حول مستقبل سوريا.

وكانت أنقرة حتى وقتٍ قريب واحدةً من أشد خصوم نظام بشار الأسد، ولكنها خففت من موقفها تجاهه في مقابل موافقة روسيا على عمليةٍ عسكرية تركية ضد تنظيم داعش والميليشيات الكردية في شمالي سوريا. واجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث: روسيا، وتركيا، وإيران للنقاش بشأن سوريا في مباحثاتٍ يوم الثلاثاء 20 ديسمبر/كانون الأول 2016 في موسكو.

وقال سنان أولغن، الدبلوماسي التركي السابق، الذي يرأس حالياً مركز "أدام" للبحوث والفكر بإسطنبول، إنَّه "منذ 2011 وتصريحات الحكومة التركية تخلق وتغذي جمهوراً محلياً حساساً بشدة تجاه الأزمة المتصاعدة في سوريا. وبالتأكيد سيخلق نهج الواقعية السياسية الذي تتبناه تركيا حالياً تجاه سوريا إحباطاً شديداً لدى هذا الجمهور".

في تركيا وغيرها من دول المنطقة، هذا الرأي العام المعادي لروسيا سوف يجبر السفارات والبعثات الروسية والدبلوماسيين الروس على اتخاذ نفس الإجراءات الأمنية الصارمة، التي عرقلت عمل الدبلوماسيين الأميركيين لعقود.

ولكن، كما لم تؤد المظاهرات المناهضة لأميركا والهجمات على الدبلوماسيين الأميركيين إلى ابتعاد الولايات المتحدة الأميركية عن الشرق الأوسط في العقد الماضي، فمن غير المحتمل أن يردع اغتيال السفير الروسي موسكو.

لا تنوي الرحيل

وعلَّق نيكولاي كوزهانوف، الدبلوماسي الروسي السابق في إيران، والأستاذ بالجامعة الأوروبية في مدينة سان بطرسبرغ في روسيا، على الأمر قائلاً: "ما حدث يوضح أن الدور المتزايد لروسيا في المنطقة، وتدخلها في مناطق حساسة كسوريا، يعني أن عليها أن تستعد لمخاطر أكبر. ولكن الأمر لن يكون نقطة تحول، ولن يؤدي إلى تغييرٍ في السياسات".

ويبدو أن كلاً من تركيا وروسيا عازمتان على عدم السماح لاغتيال السفير الروسي بتعطيل وإفساد محاولات التقارب الأخيرة بين البلدين.

وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016، طرح أردوغان فكرة انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وهي اتفاقية أمنية تجمع بين روسيا والصين، وذلك مع أن انضمام أنقرة إلى هذا التحالف يتعارض مع بقائها عضواً بحلف شمال الأطلسي (الناتو).

أياً ما كان، يعلم قادة الشرق الأوسط جيداً أن روسيا قد وضعت قدميها في المنطقة، ولا تنوي الرحيل عنها قريباً.

وهو ما وصفه أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في لقاءٍ الأسبوع الماضي حين قال: "تريد روسيا أن تكون قوةً لا يستهان بها، وأن يكون لديها ما يكفي من النفوذ في المنطقة، حتى لا يتحقق شيءٌ فيها دون موافقتها. وهي ناجحةٌ حتى الآن في ذلك".